السيد الطباطبائي

117

تفسير الميزان

ويذكر أن الغاية من هذا التيسير أن يبشر به المتقين من عباده وينذر به قوما لدا خصماء ، ثم لخص إنذارهم بتذكير هلاك من هلك من القرون السابقة عليهم . قوله تعالى : " فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا " التيسير وهو التسهيل ينبئ عن حال سابقة ما كان يسهل معها تلاوته ولا فهمه وقد أنبأ سبحانه عن مثل هذه الحالة لكتابه في قوله : " والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم " الزخرف : 4 ، فأخبر أنه لو أبقاه على ما كان عليه عنده - وهو الان كذلك - من غير أن يجعله عربيا مقروا لم يرج أن يعقله الناس وكان كما كان عليا حكيما أي آبيا متعصيا أن يرقى إليه أفهامهم وينفذ فيه عقولهم . ومن هنا يتأيد أن معنى تيسيره بلسانه تنزيله على اللسان العربي الذي كان هو لسانه صلى الله عليه وآله وسلم فتنبئ الآية أنه تعالى يسره بلسانه ليتيسر له التبشير والانذار . وربما قيل : إن معنى تيسيره بلسانه إجراؤه على لسانه بالوحي واختصاصه بوحي الكلام الإلهي ليبشر به وينذر . وهذا وإن كان في نفسه وجها عميقا لكن الوجه الأول مضافا إلى تأيده بالآيات السابقة وأمثالها أنسب وأوفق بسياق آيات السورة . وقوله : " وتنذر به قوما لدا " المراد قومه صلى الله عليه وآله وسلم ، واللد جمع ألد من اللدد وهو الخصومة . قوله تعالى : " وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا " الاحساس هو الادراك بالحس ، والركز هو الصوت ، قيل : والأصل في معناه الحس ، ومحصل المعنى أنهم وإن كانوا خصماء مجادلين لكنهم غير معجزي الله بخصامهم فكم أهلكنا قبلهم من قرن فبادوا فلا يحس منهم أحد ولا يسمع لهم صوت .